الشيخ محمد رشيد رضا

40

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ فإنه تعالى أراد أن ينبهنا بهذا إلى أن هذه العقيدة هي التي تكتسب بها ملكة الصبر التي يقرن بها الظفر ويكون صاحبها أهلا لأن يبشر باحتمال البلاء والاستفادة بحسن العاقبة في الأمور كلها . فالبشارة في الآية عامة ولم يذكر المبشر به إيذانا بذلك وهو إيجاز لا يعهد مثله في غير القرآن الحكيم ، فأنت ترى انه لو أريد ذكر ما يبشرون به لخرج الكلام إلى تطويل لا حاجة اليه كبيان عاقبة من يقع في كل نوع من أنواع المخاوف فيصابرها وينجح في أعقابها وهي كثيرة ، وهكذا الخوف المشار اليه في الآية - وأعداء الاسلام على ما كانوا عليه من الكثرة والقوة - ظاهر لا يخفى ، على أن بعضهم فسره بالخوف من اللّه تعالى وهو باطل لان هذا من أعظم ثمرات الايمان ، لا من مصائب الامتحان ، فهو نعمة تعين على الصبر لا مصيبة يطلب الصبر عليها أو فيها لأجل تهوين خطبها . وأما الجوع فقد قالوا إنه ما يكون من الجدب والقحط . قال الأستاذ الامام : وليس هذا هو المراد في الآية المسوقة لبيان ما يلاقي المؤمنون في سبيل الايمان ولا وقع للصحابة في ذلك العهد - وإنما هو أحدهم يؤمن فيفصل من أهله وعشيرته ويخرج في الغالب صفر اليدين ، ولذلك كان الفقر عاما في المسلمين من أول عهدهم إلى ما بعد فتح مكة ، ومن هذا التفسير يفهم المراد من نقص الأموال وهي الانعام التي كانت معظم ما يتموله العرب . وأما الثمرات فهي على أصلها ، وكان معظمها ثمرات النخيل . وقيل هي الولد ثمر القلب كما يقولون في المجاز المشهور . وقد بلغ من جوع المسلمين أن كانوا يتبلغون بتمرات يسيرة ولا سيما في غزوتي الأحزاب وتبوك . وأما نقص الأنفس فهو ما كان من القتل والموتان من اجتواء المدينة ، فقد كانت عند هجرتهم إليها بلد وباء وحمى ثم حسن مناخها ثم وصف الصابرين المستحقين للبشارة بقوله * * * الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أي قالوا هذا القول معبرين به عن حالهم ومقتضى ايمانهم ، وليس المراد بالقول مجرد النطق بهذه الكلمة على أن يحفظوها حفظا ، ويلفظوها لفظا ، وإن كانوا لا يعقلون لها معنى ، وإنما المراد التلبس بمعناها والتحقق